منير سلطان
125
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
عيب ، ومضمون رأيه يقول فيه « وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم سمّوها فواصل ، ولم يسمّوها أسجاعا ، وفرّقوا ، فقالوا أن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحمل المعنى عليه ، والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصورة في أنفسها ، وقال علي بن عيسى الرماني ، إن الفواصل بلاغة والسجع عيب ، وعلّل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني والفواصل تتبع المعاني ، وهذا غير صحيح ، والذي يجب أن يحرّر في ذلك أن يقال : إن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه ، والفواصل على ضربين ، ضرب يكون سجعا ، وهو ما تماثلت حروفه مع المقاطع ، وضرب لا يكون سجعا ، وهو ما تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل ، ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين ، أعنى التماثل والتقارب - من أن يكون يأتي طوعا سهلا ، ونابعا للمعاني ، وبالضد من ذلك حتى يكون متكلّفا يتبعه المعنى ، فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة وحسن البيان ، وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض . فأما القرآن فلم يرد إلّا ما هو من القسم الأول المحمود لعلوه في الفصاحة ، وقد وردت فواصل متماثلة ومتقاربة فمثال المتماثلة . . . الخ « 1 » . وتابع ابن سنان في ذلك ابن حمزة العلوي « 2 » وابن الأثير « 3 » . وأخيرا ، فقد قلنا إن الباقلاني نادى بفكرة النظم ، وهناك صلة بينها وبين رأى الجاحظ . ونقول أن هناك صلة أخرى ربطت رأى الباقلاني - في الإعجاز برأي الرماني في جانب من الجوانب . نقرأ في رسالة الرماني رأيه في إعجاز القرآن قائلا « أما البلاغة على ثلاث طبقات منها ما هو في أعلى طبقة ، ومنها ما هو في أدنى طبقة ، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة ، فما كان في أعلاه طبقة ، فهو المعجز ، وهو بلاغة القرآن ، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس ، وليست البلاغة إفهام المعنى . . . الخ وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في
--> ( 1 ) ابن سنان الخفاجي - سر الفصاحة 165 . ( 2 ) ابن حمزة العلوي - الطراز - 3 / 19 و 20 . ( 3 ) ابن الأثير - المثل السائر - 271 .